الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

239

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

الحكمين لعدم إمكان العمل على مقتضى التكليفين لاستحالة الانفكاك بين الأمرين بحسب العقل أو العادة فإيجاب أحدهما وتحريم الآخر من قبيل التكليف بالمحال ومن الواضح أنه كما يستحيل التكليف بما يستحيل الإتيان به كذا يستحيل حصول التكليفين أو تكاليف يستحيل الجمع بينهما في الامتثال وخروج المكلف عن عهدتها وحينئذ فلا يصح الحكم بحرمة الصارف ووجوب الضد المتوقف عليه وقد ظهر بما قررنا أن دعوى إمكان وجوب ضد المأمور به لا يتم بمجرّد ما ذكره فلا يتفرّع على ذلك صحة الإتيان بالواجب الموسع الذي هو أحد الأضداد الخاصة إذ لا ملازمة بين عدم تعلق النهي بضد المأمور به وجواز إيجابه مع أن المفروض حرمة الترك الذي يلازمه ويمكن دفع ذلك بأنه إنما يتم ما ذكر من استحالة التكليف المذكور لو لم يكن هناك مندوحة للمكلف في أداء التكليف وأما إذا كان له مندوحة عن ذلك كما إذا كان الواجب موسعا يمكن الإتيان به في غير الوقت المفروض كما في المقام فإن الواجب الذي هو ضد المأمور به وإن كان ملازما للصارف المفروض إلا أنه لا يتعين عليه الإتيان به في ذلك الوقت إذ المفروض توسعة الضد فلا إلزام للمكلف بالمحال من ورود التكليفين المفروضين لتمكن المكلف من أداء الضد الواجب في غير ذلك الوقت وإنما يلزمه العصيان من سوء اختياره ويشكل ذلك بأنه لا يجوز التكليف بالمحال على وجه التضييق فكذا لا يجوز على نحو التوسعة فإذا استحال الخروج عن عهدة التكليف في بعض الوقت لم يتعلق به التكليف في ذلك الوقت على سبيل التوسعة أيضا وإن كان للمكلف حينئذ مندوحة بإتيانه في الجزء الآخر من الوقت والمفروض في المقام من هذا القبيل فإنه في الوقت المفروض لا يمكنه الخروج عن عهدة التكليفين قوله لو لم يكن الضد منهيّا عنه لصح فعله إلى آخره قد يورد في المقام بأنه إن أراد بالصحة المذكورة في تالي الشرطية موافقة الأمر على ما هو مفادها بالنسبة إلى العبادات لم يتجه الحكم بصحة الضد مطلقا وإن لم يكن واجبا كما هو مقتضى العبارة نظرا إلى حكمه بصحة الضد مطلقا وجعله الواجب من جملة الصحيح إذ الصّحة بالمعنى المذكور لا يتحقق في غير الواجب وليس سائر الأضداد قابلا للصحة بالمعنى المذكور وإن أراد بالصحة مطلق الجواز وعدم الحرمة مع بعد إرادته عن تلك اللفظة لم يتفرع عليه قوله فلو صح مع ذلك فعل الواجب فإن صحة الفعل بمعنى جوازه وعدم حرمته لا يقتضي وجوب مقدمته وإنما المقتضي لها صحة الفعل بمعنى موافقته للأمر الإيجابي القاضي بوجوب الفعل في الحال المفروض ومجرد الصحة بالمعنى الثاني لا يقتضي الصحة بالمعنى الأول لإمكان القول بسقوط الأمر الوجوبي حينئذ نظرا إلى المفسدة المذكورة فإنها إنما تتفرع على البناء على وجوب الضد حينئذ فأقصى ما يفيده الوجه المذكور عدم وجوب الضد نظرا إلى ما يتفرع عليه من الفساد إلا كونه منهيا عنه كما هو المدعى ويمكن الجواب عن ذلك باختيار كل من الوجهين ويندفع ما أورد على الوجه الأول بأن الصحة بالمعنى المذكور لا يختص بالواجب بل يعم سائر العبادات من الواجب والمندوب فالمدعى أنه إذا لم يكن الضد منهيّا عنه لكان صحيحا موافقا لأمر الشارع فيما يكون قابلا للصحة بالمعنى المذكور يعني إذا كان عبادة وإن كان واجبا موسعا لكنه لا يصح في الواجب الموسع إلى آخره نعم لو أراد إثبات الصحة للضد مطلقا عبادة كانت أو غيرها تم ما ذكر من الإيراد إلا أنه ليس في العبارة ما يفيد ذلك إذ أقصى ما يفيده حصول الصحة في الجملة في غير الواجب الموسع أيضا ويمكن الإيراد عليه حينئذ بمنع الملازمة إذ عدم تعلق النهي بالضد لا يقضي بصحته على الوجه المذكور وإنما يقضي بعدم المنع عنه من الجهة المذكورة ومجرد ذلك لا يقتضي كونه موافقا للأمر لإمكان ارتفاع الأمر حينئذ نظرا إلى ما ذكر من المفسدة كيف وقد اختار غير واحد من المتأخرين كون الأمر بالشيء مقتضيا لعدم الأمر بضده دون النهي عنه ويمكن دفع ذلك بأنه مع عدم تعلق النهي بالعبادة تكون لا محالة صحيحة لوضوح كون الفاسدة منهيا عنها ولا أقل من جهة بدعتها وفيه أن مقصود المصنف أنها لو لم تكن منهيا من جهة تعلق الأمر بضدها حيث إن المدعى كون الأمر بالشيء قاضيا بالنهي عن ضده لا أن يجيء النهي من جهة أخرى خارجية كالبدعية ويدفعه أن نفي كونها منهيا عنها من جهة تعلق الأمر بضدها لا يقضي إذن بصحتها لإمكان ارتفاع الأمر من الجهة المذكورة حسبما قررنا وما أورد على الوجه الثاني بأن جواز الفعل بالنسبة إلى العبادات قاض بصحتها بالمعنى الأول إذ لولاها لكان الإتيان بها بدعة محرمة فيستلزم الأمر بالشيء النهي عنه وقد فرض عدم استلزامه له ويرد عليه ما مر من أن المقصود عدم اقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضده من حيث تعلق الأمر به لا من جهة أخرى كما في الصّورة المفروضة فإن النهي هناك إنما يجيء من جهة خارجية هي البدعية لا من جهة تعلق الأمر بضده الآخر ولذا لو لم يكن الضد عبادة لم يجر الوجه المذكور فلا يجيء هناك نهي مع أن المدعى يعم القسمين قطعا وتمحل المدقق المحشي بحمل الصحة في كلامه على الأعم من الإباحة وموافقة المأمور به بأن يكون تحققه بالنسبة إلى غير الواجب الموسع في ضمن الإباحة وبالنسبة إليه في ضمن الموافقة المذكورة وهو كما ترى لا داعي إلى التزامه مع غاية بعده إذ لا جامع ظاهر بين الأمرين ولا داعي على تخصيصه الصحة المصطلحة بالواجب قوله فيلزم اجتماع الوجوب والتحريم في أمر واحد شخصي ولو من جهتين وهو باطل كما سيجيء وحينئذ فالإيراد عليه بجواز اجتماعهما في المقام نظرا إلى اختلاف الجهتين ليس على ما ينبغي قوله يقتضي تمامية الوجه الأول من الحجة هذا صريح في تسليم المصنف رحمه الله كون ترك الضد مقدمة لفعل ضده كما كان ظاهرا من عبارته المتقدمة كما مرت الإشارة إليه [ في بيان أنه هل يجوز اجتماع الواجب الغيري مع الحرام كالتوصلي . ] قوله ليس على حد غيره من الواجبات إلى آخره مراد المصنف ره بذلك على ما فهمه جماعة أن وجوب المقدمة من جهة كونه توصليا لا ينافي الحرمة فيمكن اجتماعهما معا في أمر واحد حيث إن المقصود من وجوبها التوصل إلى الواجب وهو حاصل بالحرام كحصوله بغيره بخلاف غيرها من الواجبات فيكون الحكم بامتناع اجتماع الوجوب والحرمة في أمر واحد شخصي من جهتين مختصا عنده بغير الصورة المفروضة وأنت خبير بوهنه إذ ما ذكر من الوجه في امتناع الاجتماع في غير المقدمة جار بعينه بالنسبة إليها أيضا فإن تضادّ الأحكام كما يمنع من الاجتماع في غيرها كذا بالنسبة إليها وكذا الحال في التكليف بالمحال ومن البين امتناع التخصيص في القواعد العقلية نعم يمكن أن يقال بجواز اجتماع الوجوب النفسي والحرمة الغيرية نظرا إلى انتفاء المضادة بينهما كما سيجيء بيانه إن شاء اللّه وما يتراءى من سقوط الواجب عند الإتيان بهما على الوجه المحرم لا يقتضي كون المأتي بها واجبا لإمكان سقوط الواجب بالحرام من غير أن يتصف المحرم بالوجوب كيف ولو كان سقوط الواجب بالحرام دليلا على اجتماع الوجوب والتحريم لجرى ذلك في غير المقدمة من الواجبات النفسية من غير العبادات كما لو أدى دينه على وجه محرم أو أتى بالحق